أبو المواهب محمد

" نقاتل دفاعاً عن المواطن "
حرره عزة صقر في الأربعاء, 13 يونيو, 2018 - 03:16 م
تم مشاهدته 298 مرة

قبيل شروق الشمس، تصدح التكبيرات "الله اكبر كبيرا"، يجول الأطفال برفقة آبائهم وأمهاتهم  يسدلون على أجسادهم الصغيرة الجلابيب البيضاء يحتفلون بالعيد، ومن ثَم  تجتمع الأسر حول طبق من الكحك المَغطى بقليل من السكر وصواني الشاي والقهوة تحاوطه من كلا الطرفين.

 

ولكن هُنا من سجن طُرة..كانت الشمس تشرق بلون آخر لتعكس بلونها الدخاني وليس الذهبي قضاء العيد للمسجونين السياسين على ذمة قضايا التعبيرعن الرأى والمطالبة بالحرية والدعوة للتظاهر، والأخر منهم الذي لا يزال تحت وطأة قرار  "التجديد" الغير قانوني.

 

 

فخلف البوابات الحديدية الضخمة والأسوار العالية التى تنتهى أخرها بقطع من الزجاج تُحفر بحوافه الأسلاك الشائكة،كان للعيد شكل ومذاق أخر..

 

وراء الزنازين الضيقة كضيق جحر فأر، يقضي المسجونون عيدهم، يتكأون بأجسادهم  - التي أكلتها رطوبة السجن – أرضًا لكل منه يجول بعقله أفكارًا صلبة، تعصف بأحلامهم تارة، وتحيي أرض أحلامهم البور تارة أخرى..

 

خلف كُل باب ِمُغلق لأحد الأسر بمصر، طًعم ينتقص من الطعام مهما زاد واكتمل، وشئ يندد بالحزن وإن اغتمر البيت بالفرح، وشيئ مُظلم بالأركان وإن اشتعلت الأنوار بكل جانب.

 

هكذا عبرت " والدة أحد المعتقلين" على غياب أبنها الأوحد الذي أنجبته عام 1990 بعد مجيئ خمسة فتيات، فظنت أنه سيكون السند الأعظم والقوة التي تقيهم من شرور الحياة وقُبحها لإخوته الفتيات.

 

ففي الثاني عشر من فبراير لعام 2017، كان يسجل تقريرًا صحفيًا بأحد شوارع القاهرة، والتي من بعدها لم يخرج من بين جدران الزنزانة، لم توجه تُهمة له علانيًا ليكمل عامًا بين ظلمات "سجن طرة" وسط سماع أمه جُملة واحدة إثر مرور كل خمسة عشر يومًا وهى :" قررنا تأجيل الجلسة "، حتى أكمل عامه الأول وأربعة اشهر دُون تهمة واضحة وحُكم أيضًا واضح.

 

تقول "والدته" بإن مع اقتراب العيد كإنه يأتي ليذكرهم بالغائبين عنهم ويجدد الامهم ،جرحِ لم يندمل أبدًا، يتجدد إثر جلوسها لتجهيز" الكحك "، تصنع نقوشَا متعددة ، عينيها تنظر ولكنها لا ترى، فلا يترائى أمام عينيها سوى مروره أمامها يقبل رأسها وكفيها الاثنين قائلًا:" كل عيد وإنتي جوا قلبي يا أمي".

 

تنهار في البكاء بعد أن تغلبه ويغلبها بعدة جولات، ولكنها تصمد لأخر قطعة من العجين، ترتبه بالصاج وتسهر على تسويته، تجلس بجانب الشًباك ترمق ليل السماء، تنتظر أن ينجلي لتشرق أول خيوط الشمس، فترتدي جلبابها الأسود وتحضر شنط الكحك المَغطى بالسكر، وتهرول مسرعة مع أول عربة أمام منزلها لتستقلها إليه.

 

على أبواب سجن طرة، يقف المئات، الأطفال يرتدين ملابس العيد والبلالين المُلونة على أمل أن تنعكس بألوانها على حياتهم ويرون ذويهم لعدة دقائق.

 

المسافات تُقطع على أملِ أن يشبعون بصرهم المتعطش لرؤية الغائبين، وهذا لا يعود لقانون أو تعليمات أمنية، بل على حسب مزاج مسؤلي السجون، فرُبما يحل عليهم مزاجًا ورديًا فيرضون عنهم ويفتحوا الأغلال الحديدية لتحلق أرواح المساجين بالخارج  وتستقر بأحضان عائلتهم، أو يقرر مسؤلي السجن بعد أن أحل به غضبَا من أهل الارض أن تُغلق الزيارة لأجل غير مسمى..

 

تطئ "والدة المعتقل" بأقدام مرتجفة، تخشى أن تنكسر روحها على أبواب السجن برفضهم الزيارة، تتمتم بهمس" سبحان الله والحمد لله ولا إله الا الله" على أملِ أن يلتف الله حولها ويلمس شقوق قلبها برحمته وينبت بينه ورد بلقاء نجلها..

 

يُنادي الضابط، اسماء المعتقلين، تنتبه الأذان وتصغوا للأسماء التي تقال سريعًا  على أمل وتلهفْ أن يرتطم بمسامعها أسم نجلها، يخرج مهرولًا الى ذراعيها اللاتي يستقبلاه بانفتاح باتساع الارض قبل مجيئة بأمتار عِدة، يستقر بين ضلوعها وتسكن روحها قليلًا بلمس جسدة الهزيل.

في كل جانب يحلق الألم تارة والفرح تارة أخرى، اسرُ تلتقي بذويهم يجلسون يهمسون معهم ويثرثون بحكايات تملئ كًتب واساطير، والبعض الأخر ألقى صناديق الكحك أرضًا بعد أن أوأد ضابط السجن حلمهم الصغير في رؤية ذويهم، يجرون ورائهم أذيال الضعف والحسرة.

 

تنتهي الزيارة بعد دقائق، ويودع كل مسجون أهله  يربتون على أيديهم وأعينُ تردد قولًا واحدًا بإن الزيارة ما زادت الشوق إلا لهيبًا واشتعالًا.

 

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.