أبو المواهب محمد

" نقاتل دفاعاً عن المواطن "
حرره عزة صقر في الثلاثاء, 12 يونيو, 2018 - 11:54 ص
تم مشاهدته 16 مرة

 

فتيات بأرواح ملائكية، يشببن من نوافذ أحلامهن على أمل أن تصير حقيقة، لكنهن لم يدركن أنهن وقعن فريسة في أيادي أهالي تزينت عقولهم بالجهل.

 

فالفتاة لم تبلغ الثانية عشر من عمرها  تقدم  كبيعة رخيصة إلى رجل يهتك عرضها...

 

هُنا..بين المناطق الريفية والقرى النائية، تقبع صرخات الصغار المكتومة، دُون ردعِ أو قانون يوقف نزيفهن.

 

من هُنا يُولد الألم..

 

( 1 )

قاصرات

 

 

بإحدى قرى محافظة البحيرة، بعينيها السوداوتين ووجهها المضيء كاللؤلؤة ،تقف خلف ستار الصالة الواسعة المُكساة باللون البُني الغامق ترمق الأقدام الغريبة التي تستقر بمنزلها.

 

لم تلق "شهد" ابنه الثانية عشر عامًا بالًا، فظنت أنها زيارة عائلية لأحد أقارب ابيها أو امها، فهرولت لغُرفتها ، وأحضرت العرائس القُماش، وأحضرت خيطًا وإبرة ومقصًا، شغلت التلفاز يُطل من شاشته كرتونها المُفضل" الفتيات الخارقات".

 

تصنع فُستان صغيرًا توزع نظراتها عليه تارة، وتُتابع بعينيها كرتونها، ليقطع خلوتها بأشيائها المُفضلة، صوت والدها: " يا شهد ..يا شهد تعالي سلمي على عمك ".

 

نهضت "شهد" مُسرعة خارج غُرفتها تظُن كعادة زُوار منزلها، سيترك هذا الرجل العجوز قُبلة على جبينها الصغير ويعطيها قليل الحلوى ، فلم يخيل لها بإنها خرجت لتُسلب منها سعادتها.

 

تنظُر شهد لأمها، فتترك الأم بعينيها لها ابتسامة صامتة وتدير وجهها في زاوية أخرى، يرتطم كلام على أذن "شهد" لا تستطيع أن تصدق ما تسمع، فتظنهم يمزحون، فترتعش أناملها الصغيرة فور سماع تأكيد والدها لها بقوله: " ايه رأيك يا شهد فى عادل بن عمك سمير ؟ بن حلال وهيشليك جوا عينية ".

 

وزعت شهد نظراتها عليهم لتهرول إلى غرفتها تستلقي على السرير تحتضن عروستها اللُعبة الصغيرة، بجسدِ مُسجى لا تقوى على البكاء، لتدخل الأم تسير بيدها على شعرها الأسود القصير حد عُنقها:" شهد يا حبيبتى اصحى نتكلم سوا".

 

تختبأ "شهد" بين أحضان أمها، لا تقوى على أن تُتمتم ببنتْ شفه، بصوتِ مُتهدج تهمس لها:" أنا هتجوز يامًا ؟ بس أنا عاوزة أروح المدرسة وأكبر وأبقى دكتورة، مش إنتى قولتيلى يامًا هبقى دكتورة؟ " .. تعود من جديد تختبئ بوجهها في أمها يغلبها البكاء فتغلبه حتى هزمها الأخير تصرخ وتكرر: " مش هتجوز حد يامًا مش هتجوز حد ".

 

تحاول الأم تهدئتها بكلمات تسقط على أذن الطفلة كإنها صاعقة : " أبوكى اتفق معاهم ومينفعش نردله كلمه، دا هيجيبلك دهب كتير وتتجوزي ويبقى عندك عيال تلعبى معاهم ".

 

من هُنا كانت بداية الظُلمات، تقف "شهد" خلف النافذة تنظر الى السماء وكإنها تودع أحلامها الواسعة، تُلقي العروس وفستانها وأوراق صغيرة دُونت عليها عبارات تشجيعية عن حلمها الأكبر" دكتورة شهد هتعالج الأطفال بالمجان "، تجر ورائها اذيال هزيمتها خارج غرفتها.

 

 

( 2 )

قاصرات

 

 

في الدقهلية بقرية البنديرة، أسدلت الشمس ستارها دون شروق بعد أن تزوجت "منى" ابنه الرابعة عشر عامًا بعجوزًا يكبرها بثلاثين عامًا.

 

أحلام مُنى صغيرة، زرعت بذورها بعد أن طأت بقدميها على أبواب المدرسة فحلمت أن تكون مُدرسة لُغة عربية، لحُبها للشعر والكتابة، كانت تريد أن تزرع في الصغار حُب لغتهم وحفر بداخلهم اللغة الصحيحة.

 

في غرفتها الصغيرة التي لا تتعدى مترًا في مترين، تُعلق على حائط أحد الجدران سبورة سوداء وتضع جانبًا بعض الطباشير، سجلت قولًا لمحمود درويش: " قف على ناصية الحلم وقاتل ،" ومضت بأسمها اسفله "أستاذة منى" مُعلمة لغة عربية.

 

 

وأدت أحلام منى في السابع عشر من نوفمبر لعام 2017 بعد أن وافق والدها على أن يزوجها، قائلا : " البنت مالهاش غير بيت جوزها، ونستناها ليه ما تكبر ، تكبر وتتهنى في بيت جوزها ان شاء الله".

 

لم ينل والد "منى" قسط من التعليم كافي، فيكاد يكتب حروف اسمه واسم ابنته مع بعض الاخطاء الإملائية.

 

أقدم رجل اربعيني ، في أول شمس أكتوبر لنفس العام، ليقدم له بعض الأموال وقليل من أقراط الذهب، طالبًا أن يتزوج ابنته القاصر، فلم يجد والد منى شيئًا سوى أن يعلن موافقته بعد أن امتلأت عينية باللون الذهبي والأوراق المالية، ليقرر بيع ابنته شهر نوفمبر.

 

لم تعد تفهم منى ما يحدث، الزغاريد من كُل جانب، الأم تهرول لتضع مساحيق المكياج التي لم تعرف منى طريقًا لها سوى مُسلسًلا تلفزيونيًا ، يُمسك الأب بيدِ أخرى، ليضع كفيها الصغير في كف الرجل الأربعيني، كُل هذا وسط نظرات أشبة بالخوف والحيرة والارتباك على أعين "منى" فاكتفت بالصمتِ فكان هو أبلغ تعبيرًا.

 

زواج القاصرات بأعين الحكومة..

 

بأذن من طين وأخرى من عجين تلقت الحكومة خبر ارتفاع زيجة القاصرات، فعلى الرغم من تزويج الأطفال والزواج المبكر والزواج القسري يمثل انتهاكات لحقوق الإنسان والانعكاسات مدمرة وخطيرة جداً، الا وأن الحكومة أدارت ظهرها ولم تُشكل قانونًا يواجه زواج القاصرات.

 

اقترح مجلس النواب عدة مرات انشاء قانون يحد من زواج القاصرات على الرغم من تحديد القانون المصري الحد الأدنى للزواج بـ ١٨ عاماً فإن نسبة القاصرات المتزوجات في مصر هي ١٨٪ من نسبة الفتيات المتزوجات.

 

وذكرت دراسة أُعدت بالتعاون بين وزارة التضامن ومنظمة اليونسيف في عام 2010 أن عدد زواج القاصرات في مصر يزيد على 40 ألف زيجة، ووصل عدد أبنائهن 150 ألف مولود، وأن نسبة زواج القاصرات في مصر حوالي 11% من عدد الزيجات.

 

إلا أن هذا الرقم تضاعف ثلاث مرات في الفترة ما بين 2010 و2017 ليصل إلى أكثر من 119 ألف حالة زواج كل عام، وزادت نسبة زواج القاصرات إلى نحو 15%، وفق آخر إحصائية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء العام الماضي.

 

قانون زواج القاصرات تحت الإنشاء

 

ناقش مجلس النواب منذ اكتوبر 2017 أكثر من مرة قانون لمواجهه زواج القاصرات ولكنه لم يخرج للنور حتى الآن، ضحايا الزواج في تزايد والحكومة تقرر إسدال الستار.

 

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.