أبو المواهب محمد

" نقاتل دفاعاً عن المواطن "
حرره عزة صقر في الخميس, 19 أبريل, 2018 - 04:39 ص
تم مشاهدته 8 مرة

تحمل بين مُقلتيها دموعِ مُضطربة خائفة، تُواصل الحديث بجسدُ مُسجى بآلام سكنتُ رُوحها، ترمق أطفالها الأربع بنظراتِ مُختلطة بين الشفقة والألم تارة، وبين الجَلد والصبر تارة أخرى.

 

"هالة جمال"، ثلاثينية العُمر، أُم لأربع أولاد "عُمر، كريم، محمد، ويوسف"، كانت ضِمن ضحايا جزيرة الوراق، بعدما قررت قوات الأمن اقتحام الجزيرة وهدم ما بها من خدمات ومنازل مُدعين أن الأرض حق للدولة وليس أهلها.

 

انهيار يعانق ملامح وجهها عندما تطرَق "الموقف" للحديث عما حدث في تلك الليلة التي خسرت فيها منزلها، تحاول أن تستجمع "هالة" قواها وتجمع شتات عقلها لتسرد أحداث تلك الليلة التي عادت فيه فوجدت بيتها تحول إلى "خرابه".

 

الموت أهون من إن أشوف شقايا تحت التراب

 

تعيشُ هالة مع زوجها "شعبان شحاته" ووالدة زوجها وسط فرحة تعُم البيت بأربع أولاد، يعمل زوجها "سباك"، يخرج منذ الصباح الباكر يبحث عن قوت رزقه، يحاول جلب بعض القروش لتساعده على إطعام سته أفواه.

 

تحاول أن تُجبر لسانها على الحديث بعد استمرارها بنوبه بُكاء مُطولة، وكأنها تعجز عن وصف ما تشعر به، فأطلقت سراح مقلتيها لتنحدر دموعها بوجنتيها لتُبلغ عن مرارة ما تشعر به دون أن تنبس بحرفِ أو بكلمة.

 

أردفت بعد بضع دقائق بصوتِ مُتهدج :" أتمنى أموت ولا أرجع للحظة دي، أنا وجوزي شحتنا فلوس الدار ولفينا على خلق الله عشان نبني بيت بأربع حيطان يلمنا من الشارع، جينا الوراق من 2013، راضية بال ربنا يبعته وعلى الرغم من قلة الخدمات هنا، قاعدين ومبسوطين ".

 

وأكملت:"أنا عاوزة اقوم أخبط راسي بأي جدار أنا مش متخيلة أن بيتي بقا بسوى التراب، بقيت في الشارع أنا وجوزي وعيالي ؟ طيب إحنا عملنا للحكومة إيه حد يرد عليا فيهم مين هيعوضني أنا وعيالي؟".

 

روحت أجيب الأكل ..رجعت لقيت عيالي بالشارع

 

حاولت "هالة" سرد تفاصيل الواقعة في تلك الليلة التي وصفتها بـ"السوداء"، مؤكدة إنها على مدار حياتها لم تمر بلحظة مؤلمة تشق قلبها إلى نصفين مثلما حدث لها الآن.

 

فقالت:"روحت أجيب أكل للعيال وسيبتهم بالبيت زي العادة، لقيت الناس بيكلموني بيقولوا إنهم هدوا البيت، رجعت أجرى وأصرخ بالشارع زي المجنونة كنت خايفة البيت يتهد عليهم".

 

واستكملت:" الشرطة سألت الجيران في حد بالبيت؟، فخرجوا العيال بالشارع، وهدو بيتهم وأمانهم قدام عينيهم، عيالي فضلوا يعيطوا، الرعب كان بيدب بجسمي هقول لجوزي إيه ؟ تعبك وشقاك في الأرض، بقا زي التُراب، مكنتش بعمل حاجة غير إن عيالي بيبكو على تراب البيت بعد ما الشرطة مشتْ، مكنتش عارفة أطمنهم بكلمة، أقولهم إيه متخافوش لا لازم يخافو إحنا بقينا بنام مع كلاب السكك بالشارع ".

 

بنام تحت الكوبري.. بحضن عيالي وجوزي يأمًنا

 

انهدمت الدار وصارت رمادًا تحاوطها من كُل جانب، أصبحت أشبه بـ"الخرابة"، يبكي الأب والأم والأطفال على مأواهم الأخير من الدُنيا، ينظرون بخيبة أمل إلى دارهم التي كانت بالأمس أمنًا وسكنًا.

 

يتكأ الأب على رُكبتيه يمسك الطوب المُتبقي بين كفيه ويقبض عليه لتصير الحجر رمادًا بين يديه، وكإنه يُنفس عن ضيق صدرة وقلة حيلته بلمس بقايا الدار.

 

فبعد هدم المنزل لم يجد "زوج هالة " ملجأ لهم، سوى الشارع لتأخذ "هالة" مفرشًا وبطانية من تحت أنقاض المنزل و فى زاوية صغيرة تحت كُوبري "قيد الإنشاء"، تمكثُ هي وأبنائها الأربع.

 

"بنام تحت الكوبري وجوزي بيصحى يحمينا بليل"، هكذا بدأت هالة حديثها عن سؤالها عما فعلت بعد هدم المنزل واستكملت:" بنقعد تحت الكوبري بنام على بطانية باخد عيالي في حضني، وأمي بتبقى جمبنا وجوزي بيصحى عشانا بليل، مفيش حل تاني، أنا مبنامش عُمري ما تغفل عييى لحظة وأنا قاعدة في الشارع وقدامي بيتي وهو زي التراب ".

 

البيت ملكنا بالعقود..ولو صرخت للسما محدش هيسمع

 

عاودت "هالة" البُكاء بعد استرجاعها الأحداث، تصرخ بصوتها الجهوري وكأنها تشكي حالها لمن لا يسمع، وقالت:" أنا متكتفة بسلاسل حديد، يعني يبقى موت وخراب ديار؟ البيت يتهد ويبقى خراب ولسه عليه الأقساط مسددنهاش".

 

وأردفت:" نسدد إيه؟ نسدد تمن بيت بقا تراب، أنا عاوزة أقول للحكومة إنهم هدو البيت وسابونا ومشوا لا حيلتنا أرض ولا فلوس ولا ضهر يسندنا في محنتنا، العيال داخل عليهم مدارس هجيبلهم منين أوديهم الدراسة الصبح ويرجعوا ينامو بالشارع بليل .؟

 

وبنبرة يعانقها الأسى: " قضية التعويض هتاخد سنين، وإحنا لينا رب إسمة الحق العدل"، مُختتمه حديثها: " هشتكيهم لرب السما ليل نهار وحسبي الله ونعم الوكيل".

 

بنام في البدرون والحكومة مش سألة فينا

 

وأردفت: "هالة" الحديث بإن بعد هدم منزلها "الحكومة" باتت أذن من طين وأذن من عجين، لم يلتفتوا لهم لوهلة فذهبت هالة هي وزوجها وأطفالها الاربع يجرون ورائهم أذيال الهزيمة إلى مكان يسمى "البدروم" في أحد المنازل المتهالكة منتظرين أن يلتفهم الله برحمته من السماء بعد أن اختفت بين أهل الأرض.

القسم

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.