الجمعة , نوفمبر 24 2017
الرئيسية / مقالات رآي / مها سلامة تكتب: شهقة (2)

مها سلامة تكتب: شهقة (2)

لقراءة الجزء الأول من القصة  اضغط هنا..

كيف سأسمحُ بِغيايتا وجهِها ان تمطِرانِ دموعاً مُنغمِسة في الوجع ؟ كيف سأقتل صوتَ ضَحِكاتِها مع سَبقِ الاصرار والتّرصُّد ؟ كيف سأغتال فرحها ونشاطِها وراحة نومِها وصفاوة مبسَمِها و وقَار نبضاتِ قلبها ؟

ماذا عن تَيا ، ستلعنُني ، وتتقهقر دموعَها ، وستبكي وهي تصرخ “أريد أن أعود لكفر سابا، لا اريد ان ابقى في احضان هذه الملعونة ، اي طفولةً هذه ايها المُحامي”.

لقد نسيت، الساعة تنبض والوقت يجري اسرع من جريان الدم في الشريان والوريد والوتين
*عُبادة يقرع الباب ، ويدخل بإنكماش *
امي وتَيا، أريد أن اخبركما شيئاً عفواً، بل أشياء، ولا اريد من احدٍ ان يُقاطِعني ارجوكما
وبدأ بالحديث كأنه ممثل مُبتدأ يقرأ النص على زميله قبل صعوده للمسرح
– لن تعودا اليوم الى كفر سابا ستبقيان هنا ، في المدينة ، البشر لم تعد تهوى العيش في القرى بدأت في ركوب ظهر الجمل لتصل لمبتغاه بالكمال والجمال وانا سأبقيكم ها هنا في منزلي ، لن تصِلا حتى الى حدودِ كفر سابا.
يا امي لم تعد القرية قرية ، اصبحت اكوامٌ مهشّمة وذرواتٌ من رائحة الموت ، يا تَيا ذاك الكيان الذي يظنُ نفسه اسدٌ أليَس ادخل قاعة الدرسِ واللوح لجحر الاموات ومهدّمات التاريخ
يا امي لا تضعِ على كاهِليكِ حملاً كبيراً ، فأمّ خالد لم يتبقَّ لها الا ثلاثة اولاد والمولود الجديد توفي ، يا امي حائط البقالة يبكي ، وقلبي تحطّم ، وباحة المسجد تتصارع مع عداد الموتى
يا تَيا ، لا تبكي ستبدأين بالدراسة في مدرسة المدينة وستستمري باللعب مع أسيف ، ولن تستيقظي كدجاجة كل صباح.
اشجارٌ تحنو تعالي احتضِنُكِ ، عصافيرٌ تغني انّي احبُّك ، وبرتقالةٌ هممم كلا ليست حزينة برتقالةٌ لاجئة تُدندِن ” نِذراً يا يُما يوم نعود لكتبلك قصيدة واشدِّ أوتارك يا عود فوقِ الباوريدِ” ، وظريف الطول عاد
-عُبادة عُبادة ، لقد استقيظت حنايا الفرح ، لقد تشنّج وتيني املاً
– تَيا صغيرتي ما الذي استيقظ ؟
-انا استيقظت الا ترى عينايّ نيف مفتوحتَانِ تمطران فرحاً
– ههه تكلمي عن ماذا تتحدثين ، اقسم انّني لست منجماً لأعرف وحدي!
-لقد
-ماذا ؟
-ظريف الطول ، ظريف الطول لقد رأيته ، قالها لي سَنغُذَّ السير الي الفرح بتحرير الوطن ، وكان يحمِل سلاحاً ، سنعود لكفر سابا
-صغيرتي سنخرج اليوم جهّزي نفسك
-انت جَبَان ، تَفِرُّ كقِطٍّ من اسد او حتى من فيل يُريد ان يهشِمه
-سنتجول في المدينة ، انا واثق سيُشدَه عقلك وكيانُكِ لها
– سنفعل يا جبان .
بِربِّكم اخبروني كيف طفلة كتِلك تعيش الرُعونة ، تحبّذ القرية وتجيد انتقاء الامل الاحمر الممزوجِ مع التّين والزيتون ، تلك بعيناها رُبع المفتوحتان على قباحة الدنيا والبشر ، هل ستُصبها وعكة صحيةّ حين تُفاجئ بأن السّهل اصعب من الاسهل ، وانّ التلة لا تُشبه الجبل البتة
كانت تغرق في وحل الحياة ، تسترِق نفسها من اعين النّاس كلما مرَّ منها اعجميٌّ او حتى فلسطينيٌّ أَليَس
وماذا بعد ، هل المدينة اللعينة ستَشُقُّ سويداء قلبِها ؟
-ستأخذنا الى المدينة اللعينة ، هل لنشتري الدجاجات كما نملك في القرية ، هل اقترب العيد وعلينا ان نكتسي الملابس!
– كلا الى صمتِ ايامي ، وجرحِ موازيني ، ودمع فرحي الاكبر ، ونهرُ ثورتي النابع من نجدٍ اليها .
الى اين سنذهب ، الى اللاطريق !
في زقاقِها التقينا ، وعلى درجاتِ سُلّم الحرمِ الابراهمي ثمة موعِدٍ قَدَري ، جلسوا .. زالت حواجز العدم.. وعانقت الارواح ذاتها ، سجودٌ طويل ينتظرهم للدعاء ، وحروف تستجير.
*اقتِطاع*
“ايّاك ان تُغني لفلسطيني ، اياك ان تُسمِعه نهرُ موتٍ وصبابةُ حرية في الحينِ ذاتِه ، ايّاك ان تدعوه لخيبةٍ اخرى ، ومجرى حياةٍ بلا حياة>
احياناً نُخيطُ قِصةً مكذُوبة لكي لا نموتَ في الواقِع تدور احداثُها وشخوصِها انّنا استرخينا اسبوعاً في القدس وفي مُرِّ الواقع شعيراتِ انفِك لم تصلها جُزءٌ من رائحتِها ، وندندن في الوجعِ لكي نحتال على هرموناتِ اجسادِنا ويغذُّ الدِّماغ لعكسِ الهرمونات للحالة المناسبة ، نحنُ نُغنّي في الجنائز وفي الحربِ وفي الوِلادة وفي فينةِ اللجوء السياسي وما قبل النّوم ، ونَدعي نسيان الواقع.
-حازم بِربّكَ ، ما هذا ؟ ولمَ جِئتَ به الي ؟
-يا ارعن الا تُجيد الرؤيا ؟ ، ام مُصابُ بالعشى الليلي ؟ ، انّه سِلاااح سلاااااح ايّها الثوري المبجّل!
-سِلاح ! لماذا وكيف ولِمَ ؟ وماذا يضمُ في اشلائِه هذا الكيس الاسود والمُهمل ؟
-سِلاح لماذا ؟ سأقول لك لكي تقتل ، وكيف؟ تقتل بيديك وصدرك الأَليَس ، ولِم؟ لِنحرِرَ والوطن وما تدري ربما تكونُ شهيداً ، وماذا يضم الكيس ؟ منشورات لتقومَ بتوزِعيها على الجُثث المتعايشة.
-حسناً حسناً ، ولم نوزّع المنشورات ؟
-كفاكَ اسئلةً ايُّها الارعن ، ليصلَ نداء الحرية لكافة الشعب!
وعادَ عبادة الى البيت وفي لمحةٍ استرق جسده وعبر امام امه المُتهالِكة ولم تلحظ ما بيديه وخبّأهم في رُكن مغضوضِ البصرِ عنه.
صرفَ نفسه الى الخارج وبدأ يبحث عن اشخاص يَطمَئِنَ لهم ليُصِبَّ على اجسادِهم ذُريراتٍ من وتيرة الموت الاستشهادي!
كَبِرنا ونسينا انفسنا وملامِحُنا الشّقراء ، نسينا الموت والقلم، واصبح هنالك جِدال بين الوطن والوطن والحرية والحرية ولون الدّماء.
ونستجير من حولَنا ونردِد في طياتِنا *النبي وصّى بسابع جار.
لم ولن ننسى مجد العِراق ومِصر والاردن وسوريا والسعودية وأثر لِبنان.
انتهت الحروب ، ثمةُ يأسٌ في قاع قلبي ، يأسٌ حتى من حياةِ عينِها، وماذا بعد امّي احتضنها الثرى وخفتت روحُها وبَرُدَ جسدُها وتوقفت رقصات قلبِها، وتشنّج فمها عن الحديثِ، ولم ألحظ الدّمعة التي تنهمِر بمجردِ سماع ذوي اطلاق الرصاص، لم تسمع صوت أول رصاصة ، لم تستطع ان تستبِق اختراقها لجسدها لِتسمعها وماتت.

تعليقات الفيس بوك

عن مها سلامة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

document.write('');