الخميس , يناير 19 2017
الرئيسية / مقالات رآي / مها سلامة تكتب: شهقة
12794639_1052453988155219_150708679002722434_n

مها سلامة تكتب: شهقة

يبدو أن هناك متّسع من الوقت، سأضع بعض ملامُح الفرح على عيناي، والقليل من رشّات التّرنم على وجنتاي، وسأستخدم لأحمر شِفاه الفُصحى هذا اليوم.
يا ربّاه لقد فَنِيَ الوقت، سأَغَذَّ في السّير أكثر، اعتدلِ بسيرِك، ولا تكترثِ بالمارة ،وجدّلي حاجبيكِ ، ولا تبتسمِ الا امراة او طفل ، واعرضِ عن التفكير
-امّي انظرِ لهذا العصفور انه يُناديني ، نعم لقد سمِعتُه ، لقد أَسَرَّ باسمي [ تَيا ] تاءٌ فياءٌ وتليهما الألف *تَ ي ا*
-ما هذا الهُراء ، لقد خضّبت قصص الخيال دماغك يا فتاة
-انا لا اكذِب يا امي !
-يجب ان نسرع ، سيُدبِرُ القطار ، ولن نرَ اخاكِ هذا الاسبوع
* تَيا تُتمتِم * :(طفولة طفولة طفولة ، اخي يدرس الحقوق ، ويعلم بحقوق الاطفال ، خمسة أيام في الاسبوع استيقظ في الرابعة لمساعدة امّي وثم اذهب للمدرسة وبعدها دراسة دراسة ، وفي المساء اخلُد للنوم كدجاجة مُتعبة ، وينتهي الاسبوع وانا لم العب مع قريناتي ومن ثم نذهب للمدينة اللعينة لكي نرَ اخي ، اي رُعونة اعيش بها)
-ايتها الثرثارة مع من تُثرثِرين
-بالتأكيد ليس مع ذاك العصفور ، لم يستبق نفسه ليكون معنا
-قليلة ادب
-امّي!!
– كفاكِ رعونة لقد سئمت منكِ
لم تدرِ والدة تَيا انها لأخر مرة ستعبُر هذا الطريق العام يافا-طولكرم ، كانت لأخرِ مرة تلقي السلام على الحجرِ والشجرِ ، لم تودّع صديقتها ام راشد ، ولم تقم بزيارة ام خالد بعد وضعِها للفتاة الاولى التي انغمست بين تسعة اولاد
لم تدرِ ان المدفعيّة الظانة انها تحت كِيان أليَس ، قد نَهشت من منزلها ، واسترقت من لدنها اشياء كثيرة .
النُّعاس وهي في القطار يغشاها ، والتعب إكتَنَفَ في جِرمها لم يترك إرباً الا وقد عَمَرَ فيه ، وتيا تتَتَشكّى قلة لعبِها وتُقيم انتفاضة داخِلها
شُقَّ نهر الدّم ، واشتُعِلت نارُ الثورة ، وفقدت يافا فرحها ، وتخضّب لوح المدرسة دماً لا مسحوقَ طباشير ، وايقاعُ الموتِ تصدّر الاخبار ، والطفل غدا وحيداً ، وباحة المسجد تشهق مع كل تكبيرة ، و مع كل شهقة ينتفِض قلبها بعد ان تمزّق مع استشهادِ ثُلّةٌ من اهل القرية ، ويجهَشُ سور بقّالةِ ابي عاصم بُكاءاً كُلّما مرّ قُربَه جُثمانٌ على اكتافٍ مُتهالِكة ، وامُّ خالد عظامها التي حملت عشرة افلاذ ذرفت فلم يتبقى لها الا ثلاثة اطفال ، والعينُ تغفو وجعاً والقلب يُزمجِر.
فُنِيَ اليوم ، وعاد عُبادة من الجامعة لا يحمِل على كاهِليه الا اخباراً ستبعثُ نار احزانِ تيا وامِّه ، ماذا سيحدث لهما ، ستذبل عينا الصغيرة تيا لن تعود للعب ، ستبقى في المدينة اللعينة ، ماذا عن ام عُبادة لن تستيقظ من الرابعة فجراً كي تُعِدَّ مؤنة اليوم ، وربما سيحلُّ البؤس والحرمان من نعيم قريتهم و لن يُغذّ السير للقطار بعد اليوم.
امّي الآن تنتظرني وتيا بالتأكيد تلهو مع أسيف صديقتها ، ويجب ان تُغادِران غداً للقرية ، تيا سوف تصرخ بالتأكيد وامّي ربُما ستنهار او ستُكذّبني وتقول كفاك مُزاحاً يا فتى اصمت واذهب لتناول عشائك
– السلام عليكم
– وعليكم السلام يمٌه وين اتأخرت ؟
– لا ولا اشي بس هيك
– في وراك اشي ، ايش في يمّه
– كولتلك يا أمي، فيه شئ؟
– زي ما بدك، رح تنطس على راسك واخر اشي تكولي، ملكش غيري
-يمّه بكرة ع رواق بحكيلك كل اشي ، بس وين الخوصة الحمرا بدي اكطّع فيها
-دوّر عليها بتلاكيها وحط أكل لحالك واحسب حساب لو ما حكيتلي، لتضحى بنص الليل وتلاكيني رجعت على البلاد.
حينَ هَوت مَدينةُ القُدسُ
تَراجعَ الحُبُّ
وفي قلوبِ الدُّنيا استوطَنِت الحربُ ..
لأجل الوطن سأصلي ، لأجل البلاد والاستشهادين والسجناء وامهات الشهداء ، سأُصلّي الفجر وسُنّة الفجرِ وركعتين بنية الفرجِ عن الوطن
ذِيعَ الخبر في الاذاعات ونُثِرت الحروف في الصُّحف وسأقرأ على مسامِعكم الخبر التالي
بالخط الاسود العريض “كفر سابا بين يدي الكيان الصهيوني بعد مواجهات عدّة و خسائر ليست قليلة في صفّ المستوطنين ”
والخبر ؛ في صباح يوم الخميس قامت قوات الكيان بالتسلل لقرية كفر سابا في اثناء غياب ثلة من رجال القرية وقد خسر وطننا العديد من شباب القرية وكبار السن والامهات والاطفال ، بعد اندلاع مواجهات بين قوات الاحتلال وعدة من شباب قرى يافا ، نسأل الله ان يسكن الشهداء فسيح جناته
استبقت دموع عبادة عقله ، تساقطت ، وبدا لِأُمِه حالهُ المقلق
هي لم تدرِ بعد ما حدث في كفر سابا ، لكن كان عقلُها مُشوّش على حالِ ابنها وبدأت بلإلحاح عليه ليُخبِرَها ماذا يُخبِّئ
-عُبادة بُنَيِّ العزيز والاقرب الى قلبي ، ما بِك ؟ حالُكَ لا يَروقني ، الفأر الفضولي يلعبُ في دماغي
-اُمّي يا امّي واللهِ سأخبِرَكِ لكن امنَحِني قليلاً من الوقت .
– لماذا انتظر يا فلذة كَبِدي ، أتريد ان تحبُكَ كذِبةً باتقان كي اصدِّقَك
-يا امّي ، لم و لن اكذِب عليكِ ولكن تصبّري ارجوكِ ، سأذهبُ لبيت عِز الدّين لأستنشق بعض ما سأقوله لكِ
-وما شأن عز الدين ؟
– اريد ان الكاتب وصاحب الحرفِ الممزاليه ليُكمل لي ما بدأ بالقول لي ، وإيّاكِ بالرحيل الى كفر سابا ، عندما اعود سأخبرُكِ بكلّ شيء
ذهب عُبادة لعزِّ الدّين ، واشتم عبق الموت والمجزرة التي عاشت بها القرية ، وعاد بائساً ، يشتِمُ كل حاكِمٍ يظنُّ نفسه.
(نراكم في الجزء الثاني للقصة)

تعليقات الفيس بوك

عن مها سلامة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *