الجمعة , نوفمبر 24 2017
الرئيسية / مقالات رآي / محمود شوري يكتٌب: “القاتل الخفي”
محمود شوري

محمود شوري يكتٌب: “القاتل الخفي”

القنبلة الموقوتة التي على وشك الإنفجار في أي لحظة، فقد تتسبب أتفه الأشياء في إخراج القوة المكبوته لدى الإنسان فيما يعرف بـ “القشة التي قصمت ظهر البعير”، هذا مايعرف بالكبت في علم النفس، حيث يُعرف الكبت بأنه عملية عقلية لاشعورية، أي عملية دفاعية يستخدمها الشخص للتخلص من شعور الضيق الذي يعاني منه بسبب الصراعات التي تنشأ لديه من خلال عوامل متضاربه مثل القيم والأهداف.

 

و في نفس الوقت ينقسم الكبت إلى نوعين مادي ويشمل المال والجنس والاحتياجات الشخصية، ومعنوي ويشتمل على عدم قدرة الفرد على التعبير عن مشاعره وأفكاره.

 

و تشترك الممارسات الخاطئة لكل من الأسرة، والمجتمع، والقانون، والمدرسة، فى تكوين الكبت عند الشباب المراهق، حيث يكمن دور الأسرة الخاطئ، في استمرار الأب والأم في تربيه أولادهم بنفس الطريقة، و بنفس النهج طوال حياتهم، منذ بداية عمرهم مروراً بالمراهقة، مرورًا بالنضج ،وحتى مرحلة ما بعد الرشد، حيث أن الأب يرى أنه مادام الأكبر سنًا، وطالما هو المصدر الأساسي للدخل، فهو الأعلم بالصواب والخطأ، غافلاً عن أن الإنسان فى كل يوم، داخلياً تتغير خلاياه، وخارجياً فى البيئة المحيطة تتغير المفاهيم ومصادر المعلومات من حوله، ويتقدم العلم ويتطور، بالتالي فهو في كل مرحلة يحتاج لطريقة التربية التي تناسبه، فيقول سيدنا علي “لا تربوا أبناءكم كما رباكم أباؤكم، فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم”.

 

 و قد تظهر أولى المشاكل، في عدم سماح الأب والأم للابن بالتعبير عن مشاعره والاستهزاء بارائه، فيخلق نوعاً من “الكبت الشعوري”، مما قد يؤدي ؛لتكوين شخص منطوي لايستطيع التعبير عن رأيه في أي مكان يتواجد به، خوفاً من الاستهزاء برأيه، وللأسف هناك من يقول: “إن الشعوب الشرقية شعوب متوسطية وكثيرة المشاعر”، وهذا غير حقيقي! فالبشر جميعًا لديهم مشاعر ولكن الفرق بين الشرق والغرب في كيفية التعبير عن المشاعر، فكبتها يؤدي لأمراض، مثل الإدمان والقلق.

 

 ويعتقد الآباء أن التدخل في حياة الأبناء، والتحكم في شخصيتهم، قد يخلق نوعاً من المحافظة عليهم، وضمان عدم وقوعهم في الخطأ، ” قد تجني هذه الطريقه ثمارها لكنها في نفس الوقت، تخلق فرداً عاجزاً عن تحمل المسئولية أو اتخاذ القرارت بدون مشورة أي منهما”، ومع ذلك لا يجب إغفال دور الرقابة من بعيد، فهي مطلوبة، كما أن عدم وجود التواصل بين الآباء والأبناء “الكبت وفقدان الحنان”، قد ينعكس عليهم في مرحلة المراهقة، والفتاة على وجه خاص، حيث أنه من أثرها الدخول في أكثر من علاقة عاطفية، طالما وجدت في الشخص من يتحدث إليها ويهتم لأمرها، وكل ما تفتقد وجوده فى الأب .

وبعد الدخول في المرحلة الثانوية، تكون الكلمة المعتادة، “ذاكر من أجل الدخول لكليه من كليات القمة”، وما يحدث على هذا المنوال، من كبت لجميع وسائل الترفيه، ووسائل الحياه من أجل الدخول لكليه من هذه الكليات، غافلاً ماقد يتعرض له من مشاكل نفسية واجتماعية، اذا استمر في ذلك.

 يقول أحد الكتاب في تعليقه على هذه الجملة ” لأن ابني هو الشخص الوحيد على ظهر الأرض الذي أود أن أراه أفضل مني” : من أجلها مارس أبي جميع أنواع الضغوطات لكي أصبح مهندس مثله، لم يشأ أبي مثل كثير من آباء هذا الزمان أن يراجع نفسه، ويكون أكثر واقعية، أو يعترف بأنه يود أن يتم تحقيق حلمه عن طريق ولده طامساً كل حلم أو طموح خاص به، فمثلاً الأب الطبيب يريد أن يجعل من ابنه طبيبا، والمهندس يجعل من ابنه مهندس، والمحامي كذلك، هذه مطالب مشروعة لكنها في كثير من الأحيان ظالمة للطرف الآخر بالكبت للأحلام والطموحات .

 

 أما عن الكبت الجنسي فهو من أخطر المشاكل في عصرنا، فتجد على سبيل المثال في بداية عمرك، يتم تغيير القناة عند ظهور مشهد جنسي، قد يكون لهم الحق في ذلك لأنك وقتها لاتدرك مايتم عرضه ، ولكن ما يجب فعله هو شرح وجهة نظر الآباء في تغيير القناة فى هذه اللحظة، فعلى سبيل المثال ” كما أنك لا تحب أن يرى الناس أمك أو أختك عارية فيجب أن تمتنع عن رؤية العرى ، لأنه سلوك خاطئ ولا يعود عليك بالخير إن لم يعود عليك بالشر”، حين تستمر هذه الطريقه في محاولة دائمة لمنعك من رؤية المشاهد الجريئة دون فهم السبب وراء ذلك، فإنك وتبعاً لقاعدة “الممنوع مرغوب”، فالتوجه والبحث في الإنترنت، وشبكات التواصل التى لم تترك شيئا الا واستفاضت فيه، سيكون الخيار الأكثر استقطابا للمراهق، فيلجأ إليها في محاولة لإشباع غريزته الجنسية، ولكن الأمر يختلف تماماً عندما يحدث التجاوب والتفاهم بين الطرفين، تأكد وقتها أنه لن يفكر في مثل هذه الأمور، حيث أن حب المعرفة سيكون قد تم إشباعه عن طريق المناقشة، وإجابة التساؤلات.

 

و يقول أحد الكتاب بأن المجتمعات الشرقية هى السبب فى حدوث هذا الكبت الجنسى عبر الطريقة الخاطئة التى تتم بها معالجة الشهوة الجنسية، إن خلاصة ما يعتقده المجتمع و ما يغرزه الشيوخ هو الاعتقاد أن حل تلك المشكلة، يأتى من خلال منع المثيرات فنمنع الاختلاط، و نمنع علاقات الحب، و من ثم نمنع النساء من الخروج، و نلزمهم بالحجاب و النقاب، ففي اعتقادهم أنه بمنع هذه الاشياء، تُمنع الشهوة المكبوتة لدى الانسان، و الحقيقة هذا اعتقاد خاطئ تماماً، فعلاج أى شهوة يأتى عن طريق إشباعها و ليس عن طريق كبتها , فعند الجوع الحل هو أن ناكل لا أن نصوم وكذلك الشهوة الجنسية، فالحل يتمثل فى إشباعها، وقتها سيشعر الإنسان بالتوازن، لكن النظر و كأن لو منعنا ظهور المرأة فهذا سيحل المشكلة، تفكير عقيم، كأنك تقول أن سبب الجوع هو مشاهدة الأكل!.

 

في الواقع لو بقي الإنسان في غرفة مغلقة، و لم يشاهد أى امرأة فى حياته، فسيفكر في الجنس ايضاً، بل على العكس، فعدم إشباع الانسان لشهوته الجنسية، هو ما يجعله يفكر فى الجنس أكثر، و يعانى من التوتر الذى يؤدى للإحباط الجنسي، مع العلم أن معدلات الإحباط الجنسي لدى الشباب العرب من أعلى المعدلات عالميًا، و كما قال الفليسوف الفرنسى “أن أكثر الناس تحريماً لشئ، هم أكثر الناس هوساً به”، و هذا بالفعل ينطبق علينا تماماً، فنحن أكثر الناس تحريماً و منعاً للمرأة، بينما نحن أكثر الناس هوساً بها ! و من وسائل إشباع الشهوة أيضاً، قول الرسول (ص) : ” من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم”، و “الباءة” هنا تعنى تكاليف الزواج، والقدرة على ممارسة الرياضة، فهي تخرج الطاقات المكبوتة لدى الإنسان، وتُخرج كل وسائل الكبت لديك خصوصاً الجري.

 

 أما مايخص المجتمع فقد أثبتت الإحصائيات أن نسبة الكبت والرغبة في الإنحراف في المجتمع الريفي، أكثر من المدن ؛لأن حياتهم مبنية على العيب والخوف من كلام الناس أكثر ماهو مبني على أن الفعل حرام، بمعنى ” المانع المجتمع وليس الأخلاق”، الفكره تكمن في الخروج من مجتمع شديد التحفظ الى مجتمع نسبة الحريات فيه كبيرة، مثل الجامعة فهنا يحدث التصادم ويصبح الانسان أكثر عرضة للانحراف.

 

 أما بخصوص الدين فالخوف يكمن في حصر الدين في دائرة الحلال والحرام فقط، دون توضيح، فثقافة التفاهم أفضل من أن تصبح كل حياتنا عبارة عن حلال وحرام، فهذا يُعتبر في حد ذاته كبت للإنسان، حتى أن القرآن والدين ترك لكل شيء تفسيراً، فكونك تغفل عن إبداء السبب في أي أمر أو نهي، توقع مع عدم توادك مع الشخص في وقت ما سيخطي حتماً، لأن “المانع هنا انت وليس الدين”.

 

 وأخيراً، سأذكر مثالاً واحداً، لأثر الكبت، وهو ما لمسناه في حياتنا في الفترة الأخيرة، فالمصريين كانوا يعملون بنصف دماغ على مدار 50 سنة، نتيجة للقهر المتواصل، و الظلم، و الحرمان من الحقوق، والانشغال بتوافه الأمور، ومن ثم الكبت السياسي والنفسي، والضغط العصبي ، انتقالاً إلى غلاء الأسعار، ومروراً الفساد المنتشر،فالشعب المصري أخيراً نال حريته في ثوره 25 يناير، تذكر كم من الاستخدام الخاطئ للحريات؟ وكم من البلطجة بدافع الشعور بالحرية؟ إلي أن وصلنا إلى ما نحن عليه الآن، أعتقد أن العلاج يتلخص في كلمة واحدة وهي : “لا توجد فضيلة تُربي بالكبت” .

تعليقات الفيس بوك

عن محمود شوري

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

document.write('');